طَريقُ العابِرين

على حينِ غفلةٍ ترجَّلَ من سيَّارته الرانجروفر رجلٌ خمسينيٌّ ببدلةٍ فارهةٍ وعطرٍ فاخر، ألقى التَّحيَّة، وأظفرَ خنصرَهُ الطَّويل بين حلقةِ المفاتيح، فاستغربتُ من حركتهِ غيرَ الملائمةِ مع مظهرِه،
أخرجَ هاتفَهُ النَّقال وذهبَ إلى معرضِ الصُّور ليُريني مطبخًا رثًّا يريد إصلاحَه، فقدَّرتُ عن طريقِها حجمَ الضَّررِ وتكلفته، في تلكَ الأثناءِ توقَّعتُ أنَّهُ سيكونُ فاعلَ خيرٍ من خلالِ مقارنتي بين شكلهِ ومظهره، وبين المطبخِ المتهالك، فلم أطلب سعرًا عاليًا كما يفعلُ بعضهم حين يحكمونَ من الخارج، حملتُ أغراضَ التَّصليحِ وركبتُ معه السَّيَّارة، فأشعلَ المكيِّف وفتحَ المسجِّل على أغنيةٍ شبابيَّةٍ رومانسيَّة، أووووه!
لا شيء، لا شيء منسجم،


قضينا الطَّريقَ نتحدَّثُ عن طابور البنزين الطَّويل، حتَّى وصلنا منطقةً يُطلقُ عليها (الشقق) دخلنا البوَّابةَ لكن لا أثرَ هناك سوى لمدخلٍ عادي، قليلًا إلى اليمين، قليلًا إلى اليسارِ توقَّفتِ السَّيارةُ وقال: وصلنا…
نزلنا وإذا بمدخلِ شقَّةٍ قد أصبحَ بُحيرةٍ بسببِ كسرٍ في أنبوبِ الماء، فجالَ في تفكيري أنَّهُ جاءَ ليفعلَ الخيرَ مع عائلةٍ فقيرة، جزاهُ اللهُ أفضل الجزاء…
قالَ الرَّجل: نحنُ في الدَّورِ الأرضيِّ لن نصعدَ السَّلالم، ثمَّ فتحَ البابَ دون أنْ يطرُقَه وقال: تفضَّل يا أسطة…
فتفضَّلت إلى صدمةٍ مِن أوَّلِ خُطوة، مجموعةٌ من ستّ إلى ثماني بناتِ يجلسنَ على الأرضِ بلباسٍ عارٍ بصورةٍ فظيعة، وثلاثُ فتياتٍ يرقصنَ على موسيقى شرقيَّة…
قال الرَّجل: من هنا المطبخ، كان المطبخُ متَّسخًا بالكاملِ كأنَّه مكبُّ نفايات، عكس بقيَّةِ الغُرف بأبوابها المشرَّعةِ وأضوائِها الخافتة، والمرتَّبة جدًّا…
أغلقتُ على نفسي بابَ المطبخ، وبدأتُ بعملي فأنجزتُه بأسرعِ وقتٍ مستفيدًا من سنواتِ خبرتي بهذا المجال، كنتُ أفكِّرُ في تلك الأثناء، كيف يكونُ هذا! أنا لم أرَ في حياتي ما سمعتُه من الآخرينِ عن وجودِ مثل هذه البيوت…
أنجزتُ مهمَّتي، وناديتُ الرَّجلَ لأخبرهُ بأنَّني أكملتها، فقال لي:
أسطة شاطر، تعال واجلس معنا، لكنَّني رفضتُ بداعي انشغالي، ثمَّ عرضَ عليَّ أن يوصلَني إلى المعملِ لم أقبل أيضًا مع أنَّ ذلك كانَ ضمن الاتِّفاق.
خرجتُ بعدَّتي خارج المجمَّعِ وجلستُ عندَ أقربِّ محلًّ لأغسل يديَّ ووجهي، ثمَّ طلبتُ تكسي أوصلتني إلى المعمل…
فأنجزتُ بعضَ أشغالي هناك ورجعتُ متأخِّرًا إلى البيت…

 

السَّلام عليكم

أمِّي وعليكم السَّلام ورحمة

الله، تأخَّرتَ اليوم يا ولدي

آهٍ أمِّي لو تعلمينَ أين كنت؟

أين؟

وأخيرًا ذهبتُ إلى بيتِ دعارة!

ماذا؟ لا تقلها،

فقد أصلحتُ

تربيتكَ وأخوتك، لا، لا، مستحيل!

فعلًا أمِّي، هذا ما حصل، أحببتُ أن أجرِّب.

وضحكْتُ هههههه

لا تمزح معي بهذه الطَّريقةِ

الغريبة التي لم نعهدها منك.

والله يا أمي فعلتُ ذلك طالبًا لرزقي،

ولم أعلم أنّ البيتَ لهذا الغرض…

كلُّه كانَ نظيفًا إلَّا البشر والمطبخ!

المهمُّ سجَّلَ تاريخي زيارةَ بيتٍ بشِع.

 

سعد برغش